في هذه المرحلة التي تشهد تقدم العمل الإسلامي على الصعيد الدعوي والاجتماعي والسياسي نجد أنه من المفيد لتقويم وتسديد مسيرة العمل الإسلامي التعريف ببعض رواد الإصلاح ورموزه؛ لوصل الحاضر بالماضي والاستفادة من الدروس والتجارب السابقة والبناء عليها؛ حتى لا تضيع تلك الجهود المباركة ولكي نختصر كثيراً من الزمن والجهد.
تعريف بشخصيته:
الشيخ أبو شعيب بن عبد الرحمن الدكالي الصديقي، (1295 هـ - 1356 هـ / 1878م – 1937م)، يعدُّ آخر حُفاظ المغرب ومحدثيه، ورائد الدعوة السلفية في مطلع هذا القرن بالمغرب حتى لُقب بشيخ الإسلام، تولى الإمامة والخطابة والإفتاء على المذاهب الأربعة في الحرم المكي، وقدم بعض الدروس بالأزهر في مصر وفي جامع الزيتونة بتونس. وبعد عودته للمغرب وصلت له رئاسة الدروس السلطانية بالقصر الملكي على عهد السلطان مولاي عبد الحفيظ، والسلطان المولى يوسف، والعاهل محمد الخامس، وتولى وزارة العدل والمعارف لعدة سنوات، وكان يلقبه بعض طلابه بـ (محمد عبده المغرب) لدوره الإصلاحي العلمي والوطني والذي أنتج عدداً من قادة المغرب العلميين والسياسيين.
نشأته:
ولد الشيخ أبو شعيب الدكالي بدار الفقيه بن الصديقي بدكالة في 25 ذي القعدة عام 1296هـ، وهو من قبيلة أولاد عمرو، إحدى قبائل دكالة العربية، وهي قبيلة معروفة الأصل في المغرب منذ عهد المرابطين، وهم من رسخ الفكر السني في المغرب العربي منذ ذلك العهد، نشأ يتيما تحت كفالة عمه العلامة سيدي محمد بن عبدالعزيز الصديقي، وتلقى تعليمه الأولي بمسقط رأسه قرية الصديقات بنواحي منطقة الغربية إحدى بوادي جهة دكالة، على يد شيوخ وعلماء القبيلة من أمثال العلامة ابن عزّوز، والعلامة محمد الصديقي، ومحمد الطاهر الصديقي وغيرهم، ثم انتقل إلى الريف حيث أتم حفظ القرآن بالقراءات والمتون الشائعة في زمنه.
فعندما كان عمره ثلاثة عشر عاما استحضر السلطان مولاي الحسن الأول حفاظ مختصر الشيخ خليل في الفقه المالكي لأجل الاختبار، وكان ذلك سنة 1308هـ فحضر أبو شعيب إلى مراكش مع من استقدم إليها من الحفاظ، وكان المشرف على الامتحان الفقيه علي بن حمو المسفيوي وزير العدل فأعجب بأبي شعيب الدكالي لصغر سنه وتقدمه على من عداه حفظا وفهما، فسأله الوزير عن القرآن: عن حفظه، فأجاب على الفور أنه يحفظه وبالقراءات السبع، فأحضر من يعرفها ليمتحنه فيها، وشاع خبر هذا الطفل العجيب في القصر حتى بلغ إلى علم السلطان، فأمر بإدخاله عليه، فلما مثل بين يديه قال له السلطان: اعرب "الرمان حلو حامض"، فأعرب المثل، وكان قصد السلطان أن يطرح معه قضية معروفة في النحو تتعلق بالخبر حين يتعدد بالنسبة لمبتدأ واحد، ثم إن السلطان الحسن الأول أراد أن يمازحه ويثيره فقال له: "أنت فقيه ولست بنحوي" فأجابه: "أنا أعلم بالنحو مني بالفقه، ولكني أنشــد لمولانا قول الشاعر:
يداك يد للورى خيرها وأخرى لأعدائها غائرة
هنا تدخل بعض من كان حاضرا في المجلس وقال له أفصح؟ ماذا تريد أن تقول لمولانا؟ فأجاب: "يكفني أن أتلو قول الله تعالى: "والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات"، فأعجب به السلطان أيما إعجاب، وضحك كثيرا، وأمر له بصلتين وكسوتين، ووقع على بطاقة التنفيذ بما نصه: "يضاعف لأبي شعيب لصغر سنه وكبر فنه".
رحلته لمصر:
في سنة 1314 هـ، 1896م رحل إلى مصر فمكث بها ست سنوات وأخذ فيها العلم عن علماء الأزهر مثل: شيخ الإسلام سليم البشري، والعلامة الشيخ محمد بخيت المطيعي، والشيخ محمد محمود الشنقيطي اللغوي الشهير، والشيخ أحمد الرفاعي وغيرهم كثير.
وقد كان الشيخ محمد عبده يرأس لجنة الامتحان التي تقدم إليها الشيخ شعيب لدخول الأزهر، وقد كان يرفض دخوله بسبب عجز اللجنة عن قراءة خطه المغربي، لولا تدخل الشيخ محمد عبده وطلب إجراء الاختبار له شفوياً.
وقد كان لإقامته في مصر المنفتحة على أوربا والحضارة الغربية، والتي تحمل مجلاتها وجرائدها وكتبها أبحاثاً ودراسات ومقالات تعبر عما تمر به مصر من نهضة فكرية وإصلاحية أثره الكبير في نفس الطالب الشاب أبي شعيب الدكالي وتكوينه العلمي وتوجيهه الفكري([1]).
رحلته لمكة المكرمة:
طلب والي مكة الشريف عون الرفيق من الأزهر إماماً ومفتياً وخطيباً للحرم المكي يكون عالماً مطلعاً على الكتاب والسنة وذلك بسبب قوة ظهور الدعوة السلفية في نجد مما أثر على وضع الحجاز، فرشح شيخُ الأزهر الشيخ سليم البشري أبا شعيب لهذه المهمة، فأصبح إماماً وخطيباً ومفتياً ومدرساً للمسلمين في أرض الحرمين الشريفين، وقد حظي أبو شعيب عند أمير مكة بالحظوة الحسنة فأكرمه وبالغ في احترامه وتعظيمه، وقدمه في مجالس العلماء، وخطب له ابنة أحد وزرائه لتكون زوجة له.
وانتهز أبو شعيب الفرصة بمجاورة وقدوم عدد كبير من علماء المسلمين لمكة فأخذ العلم عنهم وهم من بلاد شتى، منهم: شيخ الحنابلة بالحجاز والشام الشيخ عبدالله صوفان القدومي النابلسي، والشيخ العلامة عبدالرزاق البيطار، والشيخ محمد بدر الدين الدمشقي، والشيخ أحمد بن عيسى النجدي.
وكانت له دروس متعددة بالحرمين الشريفين منها: التفسير وشرح الكتب الستة وشرح بعض كتب السيرة ككتاب الشفا للقاضي عياض، والشمائل للترمذي، ودرس اللغة والأدب، ودروس في الفقه وأصوله والقراءات والمصطلح.
كما أجاز أبو شعيب عدداً كبيراً من طلبة العلم من مختلف بلاد العالم مثل: الحاج مسعود الوفقاوي من علماء سوس والشيخ محمد العربي الناصري عالم المغرب والشيخ يوسف القناعي من الكويت والشيخ محمد الشنقيطي من علماء موريتانيا والذي بعثه أبو شعيب من منطقة الإحساء لمنطقة الزبير بالعراق للدعوة والتدريس، والشيخ عبدالله بن حميد مفتي الحنابلة بمكة المكرمة، والشيخ محمد سلطان المعصومي من علماء ما وراء النهر صاحب كتاب "هل المسلم ملزم باتباع مذهب معين"، وغيرهم كثير.
وبسبب جهوده المباركة ودروسه العلمية وطلابه النجباء وتأثيره في الحجاج والمعتمرين ذاع ذكره في العالم، وفي ما يلي نموذج من خطبه في الحرم المكي: "اعملوا لدنياكم اعملوا لآخرتكم اعملوا لدنياكم ما يرقي بلدكم اعملوا لدنياكم ما يرقي أولادكم اعملوا لدنياكم ما يجعل يدكم عليا.
فقد قال عليه الصلاة والسلام: (اليد العليا خير من اليد السفلى)، فالمحترف أمير والسائل ذليل.
اعملوا لدنياكم ما يقلل البطالة في البلد التي كان يتردد فيها جبريل بالوحي والتنزيل. اعملوا لدنياكم أحباب الديان، فأنتم تعلمون أن أسباب المعايشة أربعة: إمارة وتجارة وزراعة وصناعة.
فأما الإمارة فلا يتعيش بها إلا الأنفار المحدودون دون الغير الكثير.
وأما الزراعة فأنتم بِواد غير ذي زرع كما حكى الحكيم الخبير.
فما بقي إلا الصناعة والتجارة، وهذه البلاد الطاهرة خالية من الصناعة، وتجارتها ضعيفة مزجاة البضاعة، فهلمّوا إلى ما ينفعكم وسلوا من واليكم الجديد المظفر المعان أن يساعدكم على إنشاء مكتب صناعي، فهذا الجلد المباع في بلدكم بالقرش والقرشين، ويصنع ويرد إليكم فتشترونه بالمائة والمائتين، فكأنكم لم تقرؤوا قول الله جل جلاله وعلا: "ومِن جلود الأنعام بيوتاً تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم"…" ، ويتضح من هذه الخطبة طبيعة الخطاب الإصلاحي الذي كان يبثه أبو شعيب في المسلمين من ضرورة عمارة الدنيا والأخذ بأسباب القوة والتقدم والرقي على هدي الوحي المبارك في القرآن والسنة، وقد حمل طلابه هذه المفاهيم معهم إلى بلدانهم، فها هو تلميذه الشيخ الشنقيطي يفتح المدارس والمعاهد في العراق والإحساء؛ وينشر الدعوة السلفية هناك، وأما تلميذه الشيخ القناعي والذي يعد مصلح الكويت الكبير الذي أسس بعد عودته للكويت المدارس القرآنية والعلمية والمكتبات العامة وكان من المؤسسين لمجلس الشورى بالكويت سنة 1921م ومن مؤسسي المجلس البلدي فيها.
وبسبب هذا السمعة الحسنة للشيخ أبي شعيب والتي بلغت المغرب كله من خلال طلابه والحجاج طلب منه المولى عبد الحفيظ حين تولى ملك المغرب([2]) - وهو الملك العالم الفاضل - أن يعود للم






















